السعيد شنوقة
158
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
بالنعمة أو القوة والقدرة « 1 » . وردوا على خصومهم أن المراد باليدين في الآية هو القوة ، وأن المقصود بلفظ ( يداه ) في قوله عز وجل : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] إنما هو النعمة . وذهب ابن جني ( ت 392 ه ) إلى هذا التأويل . قال : « وقوله تعالى : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا [ يس : 71 ] : إن شئت قلت : الأيدي هنا جمع اليد التي هي القوة ، فكأنه قال : مما عملته قوانا أي القوى التي أعطيناها الأشياء لا أنّ له - سبحانه - جسما تحلّه القوة أو الضعف » « 2 » . وقد استشهدوا في ذلك باللغة ، فقالوا اليد بمعنى القدرة والنعمة ، فمن دلالتها على القوة ما ذكرناه آنفا : ما لي على هذا الأمر يد أي قوة ، وهذا ملك يده ويمينه أو هذا الشيء في يد فلان ، وتحت يده أي : تحت قدرته وفي ملكه ، ومنه قوله تعالى الذي اتفق في تأويله معهم ابن جني « 3 » بأنه أراد عملنا بقدرتنا . ويقال في الدلالة على النعمة في اللغة : لفلان عندي يد أو لي عند فلان يد بيضاء « 4 » . وهو من المجاز عند الزمخشري الذي قال في تفسيره للآية : « قلت قد سبق لنا أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب هو ما عملت يداك ، وحتى قيل لمن لا يد له : يداك أوكتا وفوك نفخ ،
--> ( 1 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 248 - ، 271 والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص ، 58 وأمالي المرتضى ، ج 1 ، ص ، 565 والزمخشري ، الكشاف ، ج 1 ، ص 628 ، ج 3 ، ص 330 - ، 382 ( 2 ) الخصائص ، ج 3 ، ص 248 . ( 3 ) يؤنس باعتزال ابن جني لقوله في ( باب الحكم يقف بين الحكمين ) تكرير عبارة : « المنزلة بين المنزلتين » في ثبات الهاء في « يا مرحباه » ليس حد الوقف ولا حد الوصل ( . . . ) إلى أن قال : فثباتها في الوصل متحركة « منزلة بين المنزلتين » الخصائص ، ج 2 ، ص 358 - 359 ، ولقوله في خطبة الكتاب نفسه : الحمد لله العدل القديم على نهج المعتزلة القائلين بالعدل والتوحيد . راجع م ن ، ج 1 ، ص 42 - 43 ، ولقوله : « أفعال القديم سبحانه نحو خلق الله السماء والأرض وما كان مثله ( . . . ) ولم يكن منه ، بذلك خلق أفعالنا ولو كانت حقيقة لا مجازا لكان خالق الكفر والعدوان وغيرهما من أفعالنا » . وهو ينسب خلق الأفعال للعبد كالمعتزلة . انظر م ن ، ج 2 ، ص 449 ، وذكر السيوطي اعتزاله في المزهر ، ج 2 ، ص ، 10 وكذا د . نصر حامد أبو زيد الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 71 . ( 4 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص ، 158 والباقلاني ، كتاب التمهيد ، ص ، 258 وأمالي المرتضى ، ج 1 ، ص 565 - ، 566 والزمخشري ، أساس البلاغة ، ص ، 512 والكشاف ، ج 3 ، ص 382 .